الحكومة التي نريد

Publié le par hassan tariq

تنهض وثيقة دستور ٢٠١١ على فرضية تأسيسية تتمثل في اعادة تعريف جدري للسياسة المغربية:ان تصبح هذه الاخيرة مجال لتداول و صياغة السياسات و ليس  مجرد مجال لتدبير العلاقة مع الدولة.
لأجل ذلك تربط هندسة الدستور بين الإرادة الشعبية ،المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع،وبين مسلسل انتاج السياسات العمومية ؛المعبر عنه من خلال التدبير العمومي المبني على قاعدة المسؤولية و فكر ة المحاسبة الشعبية.
البنية المؤسسية قدمت للحكومة الحالية فرصة مواتية لاعطاء التناوب "الثاني"الإمكانيات اللازمة لتجسيد "بدائله"الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
من جهته،السياق الاقليمي والوطني، الذي قاد الحكومة لمواقع التدبير،جعلها محملة بانتظارات كبرى؛ساهم الخطاب السياسي للعدالة والتنمية في تغديتها قبليا،عن طريق خطاب ركز قبل الانتخابات على الإيحاء بالقطيعة ،وبعديا عن طريق خطاب مغرق في "الاخلاقوية"انتجه وزراءه لحظة مابعد تعيينهم. 
عموما تظافرت كل العوامل لتجعل من "التغيير " روح التصويت السياسي للتشريعيات الاخيرة،حيث يبدو جوهر التعاقد الانتخابي مبنيا على تفويض شعبي قوي غايته القيام باصلاحات عميقة تهم الحياة اليومية للمغاربة.
في المقابل ،يكاد يبدو هذا التناوب بدون بدائل، و نكاد نعيش "تغييرا سياسيا"بدون "تغيير للسياسات". لقد دبرت الحكومة قانون المالية "الانتقالي" لعام ٢٠١٢ بخطاب الاستمرارية كاكراه لا مفر منه،و ها هي اليوم تدبر قانون المالية للسنة القادمة بخطاب "الاستمرارية" كاقتناع مبدئي. 
و طبعا فان ل "اللاتغيير" كلفته الاقتصادية و الاجتماعية، بل والسياسيةًًً كذلك التي تهم مصداقية العملية الانتخابية و جدواها ،فضلا عن "معنى"السياسة نفسه الذي يصبح موضع السؤال. 
ان انفجار الطلب الاجتماعي و قسوة المناخ الاقتصادي الدولي و الأعطاب الكبرى لاليات التدخل المؤسسي،كلها عوامل تعمق " اكراهات" العمل الحكومي. لكن السياسة لم توجد فقط لتدبر "ندرة" الموارد ،و"شح" التوزيع ،و"ضيق"الخيارات...
 السياسة لاتعني بالتعريف و الضرورة:الاستسلام للازمات ،و الانهزامية امام الاكراهات. 
السياسة وجدت في الاصل لتقحم فعل "الإرادة " في الحسابات الموضوعية للتاريخ، و لتخلص الشعوب من "قدرية" الوصفات الجافة للخبراء و التقنقراط.
في فرنسا حدد هولاند يوم إعلانه الترشح للايليزي ،هوية خصمه بكل وضوح و جرأة قائلا انه بالضبط"عالم المال"  .وفي امريكا واجه أوباما مرشحا جمهوريا وضع كل برنامجه في جملة مكثفة تقول"الاقتصاد اولا" .
في كلا البلدين اقتنع الناخبون ان بامكان السياسة ان تنتصر على اسواق المال و لمراعاة الاقتصاد  .
في كلا البلدين لم تنفع الأزمة المالية في تغدية أيديولوجيا الخوف التي طورها اليمين. واختار المواطنون التصويت بدافع الأمل ،لا الخوف.بدافع الثقة في المستقبل و الثقة في السياسة. 
السياسة التي بإمكانها صناعة مساحات الأمل ،ضدا عن مهندسي "الاستحالات"
السياسة "الكريمة و المعطاءة"بتعبير الاستاذ عبدالله ساعف
السياسة التي لاتستعير السقف الواطئ للتقنقراط،بديلا عن أحلام بسطاء الشعب 
السياسة التي لا تقطن في ما تبقى من هامش صغير للفعل،بعد ان يحدد الاقتصاد و المال و الخبراء ملامح القرارات الكبرى 
السياسة القادرة على انتاج و مواكبة الأحلام العميقة للشعوب
السياسة التي تعني كذلك الإرادة والتغيير و التقدم
تلك هي السياسة التي نحتاج اليها، و تحتاج الحكومة لتثف فيها. 
  

Publié dans article

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article